تتصاعد التوترات بين إثيوبيا ومصر على خلفية مساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر، والخلافات التاريخية حول مياه النيل، وتنامي التحالفات العسكرية والسياسية في منطقة القرن الإفريقي. ويكشف هذا المشهد، وفقًا لمحمد خير عمر، عن شبكة معقدة من الصراعات الممتدة منذ الحرب الباردة، والدبلوماسية السرية، والتدخلات المتبادلة، وسط مخاوف من تحول التنافس الإقليمي إلى مواجهة أوسع.
ونشر موقع «أفريكان أرجومنتس» مقال عمر الذي أعاد موقع مارتن بلوت نشره. ويحلل المقال جذور الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا، وكيف تسعى مصر إلى تعزيز علاقاتها مع دول جوار إثيوبيا، في مقابل تحركات إثيوبية لتأمين منفذ بحري وتعزيز نفوذها الإقليمي.
تحالفات عسكرية تحاصر إثيوبيا ومخاوف من تصعيد إقليمي
أثار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد توترًا إقليميًا مطلع عام 2024، بعدما وقّع مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال، ساعيًا إلى تقديم الاتفاق باعتباره خطوة لتحقيق حلم إثيوبيا القديم في الوصول إلى البحر. وأعلنت الحكومة الإثيوبية أن الاتفاق يتضمن إنشاء قاعدة بحرية وتطوير خدمات بحرية على خليج عدن، لكن الصومال رفضته بشدة، معتبرة إياه غير قانوني وانتهاكًا لسلامة أراضيها، في ظل النزاع على وضع أرض الصومال.
وعززت مقديشو تعاونها الدفاعي مع تركيا ومصر، فيما كثفت القاهرة دعمها العسكري للصومال، وسط تقارير عن إرسال شحنات أسلحة ونشر قوات في المنطقة. وردت وزارة الخارجية الإثيوبية ببيان حذرت فيه من أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تحركات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، مؤكدة أنها تراقب التطورات التي قد تهدد أمنها القومي.
وجدد رضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الإثيوبي، في 8 سبتمبر، تأكيد طموحات بلاده البحرية، موضحًا أن المسألة لا تتعلق بالبحث عن موانئ بديلة، مثل بورتسودان ولامو وبربرة، بل بالحصول على منفذ بحري تستطيع إثيوبيا الاستثمار فيه والدفاع عنه. وأشار إلى أن بلاده أضاعت فرصًا لتحقيق هذا الهدف خلال عهود الإمبراطور منليك الثاني وهيلا سيلاسي، ثم نظام منجستو هايلي مريام، وحكومة الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية.
وفي المقابل، باتت القوات المصرية قريبة من الحدود الصومالية الإثيوبية، مع احتمال اقتراب وجودها من سد النهضة الإثيوبي الكبير، في ظل الاضطرابات السودانية. كما تبحث مصر وإريتريا سبل التعاون العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتسعى القاهرة إلى التوسط لتحقيق مصالحة محتملة بين الحكومة الإريترية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، اللتين ظلتا في حالة عداء قبل اتفاق السلام الذي رعته الولايات المتحدة في بريتوريا عام 2022، وأدى لاحقًا إلى توتر العلاقات بين الرئيس الإريتري أسياس أفورقي وآبي أحمد.
ووسعت مصر شبكة علاقاتها مع دول جوار إثيوبيا، فوقعّت اتفاقات مع جيبوتي عام 2022، وعززت علاقاتها مع كينيا وأوغندا، كما أبرمت اتفاقًا دفاعيًا مع نيجيريا. ويرى المقال أن هذه التحركات قد تضع إثيوبيا تحت ضغط من عدة اتجاهات، في حين تظل الإمارات أبرز شركائها الإقليميين، بفضل العلاقة الشخصية بين آبي أحمد والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، رغم أن هذه العلاقة لا تستند بالضرورة إلى روابط مؤسسية راسخة بين الدولتين.
ويمثل نشر قوات مصرية في الصومال، إذا تحقق على نطاق واسع، أول انتشار عسكري مصري كبير خارج البلاد منذ تدخل جمال عبد الناصر في اليمن عام 1962، حين أرسل نحو 70 ألف جندي. وبحلول انسحاب القوات عام 1970، كان نحو 10 آلاف جندي مصري قد لقوا حتفهم، في حرب شاركت فيها أطراف خارجية بدعم المتمردين اليمنيين. وأطلق على الصراع وصف «فيتنام مصر»، وربما أسهم في إنهاك الجيش المصري قبل هزيمته أمام إسرائيل في حرب يونيو 1967.
ومع ذلك، يشدد المقال على ضرورة معالجة القضايا الداخلية التي تواجه إثيوبيا والصومال قبل الانخراط في مشاريع اندماج إقليمي واسعة. فقد وقعت إثيوبيا وإريتريا والصومال، بقيادة الرئيس الصومالي السابق محمد عبد الله فرماجو، اتفاقًا ثلاثيًا في 5 سبتمبر 2018، أكد احترام استقلال الدول وسيادتها وسلامة أراضيها. لكن الاتفاق، شأنه شأن التفاهم السابق بين إثيوبيا وإريتريا، اعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات بين القادة، ولم يتحول إلى إطار مؤسسي مستدام.
وانتقد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود عام 2020 هذا المسار، معتبرًا أن بلاده وإثيوبيا لم تكونا مستعدتين للتكامل العميق في ظل الصراعات العرقية والنزاعات الحدودية الإثيوبية، والانقسامات السياسية والتهديدات المتطرفة التي تواجه الصومال. كما حذر من تبني القيادات الصومالية أجندات إقليمية دون التشاور الكافي مع المجتمع المدني والجمهور، بما قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية بدلًا من تعزيز الوحدة.
من أزمة قناة السويس إلى الحرب الباردة.. جذور التنافس المصري الإثيوبي
تعود جذور التوترات المصرية الإثيوبية الحديثة إلى خمسينيات القرن الماضي، حين تداخلت الخلافات حول مياه النيل مع التنافس على النفوذ الديني والسياسي في المنطقة. وكانت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية خاضعة تاريخيًا لنفوذ الكنيسة القبطية المصرية، قبل أن تسعى أديس أبابا إلى استقلال إدارتها الدينية، وهو ما تحقق بالكامل عام 1959، متسببًا في تراجع نفوذ القاهرة.
كما كشفت وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية، واطلعت عليها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، عن أن الإمبراطور هيلا سيلاسي ناشد مسؤولين بريطانيين عام 1954 عدم سحب قواتهم من مصر. وخشي الإمبراطور أن يؤدي الانسحاب إلى فراغ تستغله القاهرة لتعزيز نفوذها في السودان، بما يسمح لها بمراقبة إثيوبيا من الحدود السودانية. وزادت المخاوف مع صعود الحزب الوطني الاتحادي السوداني، الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع مصر.
وتفاقمت الخلافات مع بناء مصر السد العالي وتأميم قناة السويس عام 1956. فبعدما أبرمت القاهرة صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا عام 1955، عرضت الولايات المتحدة تمويل مشروع السد لمواجهة النفوذ التشيكوسلوفاكي، قبل أن تسحب دعمها في يوليو 1956 بسبب خلافات سياسية، من بينها اعتراف مصر بالصين الشيوعية. ورد عبد الناصر بتأميم القناة التي كانت تديرها بريطانيا وفرنسا.
واقترحت بريطانيا وفرنسا إنشاء هيئة دولية لإدارة القناة، عُرفت باسم «رابطة مستخدمي قناة السويس»، بما يقلص سيادة مصر عليها. وفي 18 أغسطس 1956، دعا وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس إلى إشراك دول محايدة، بينها إثيوبيا، في مساعٍ لإبلاغ عبد الناصر بالقرار. لكن عبد الناصر رفض مشاركة إثيوبيا، ورد بفرض قيود على دخول الخطوط الجوية الإثيوبية المجال الجوي المصري، فضلًا عن دعم خطاب استقلال إريتريا وأوغادين وأرض الصومال عبر الإذاعة المصرية، بحسب المقال.
وخلال أزمة السويس في أكتوبر ونوفمبر 1956، تبنت إثيوبيا موقفًا معلنًا يدعو إلى الحياد والحلول الدبلوماسية. وانتهت الأزمة بتدخل الأمم المتحدة وانسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية مطلع عام 1957، فيما خرج عبد الناصر بمكاسب سياسية عززت شعبيته عربيًا، وكشفت تراجع النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي وصعود الدورين الأمريكي والسوفيتي في الشرق الأوسط.
وفي أبريل 1957، اغتيل الدبلوماسي المصري كمال الدين صلاح، رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة بشأن الصومال الإيطالي، في مقديشو. وكان صلاح يدعم استقلال الصومال ويستخدم موقعه لترويج القضية، لكن اغتياله أثار تحقيقًا أمنيًا طويلًا، وزاد التوتر داخل الحركة القومية الصومالية. واتهمت صحيفة «أخبار اليوم» المصرية إثيوبيا بالتورط في الجريمة، ما أثار احتجاجات شعبية وأبرز حجم التنافس الخارجي على مستقبل الصومال.
وخلال العقود التالية، تأثرت العلاقات المصرية الإثيوبية بصراعات الحرب الباردة. فقد دعم عبد الناصر حركات التحرر الإفريقية، وأسهم في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، واستضاف أسر شخصيات إفريقية بارزة، بينها أسر باتريس لومومبا وكوامي نكروما، كما قدم منحًا دراسية مجانية للطلاب الأفارقة. وفي المقابل، رسخ هيلا سيلاسي مكانة أديس أبابا مركزًا سياسيًا وإداريًا للقارة من خلال المنظمة، مستفيدًا من علاقاته الوثيقة بالغرب لموازنة النفوذ المصري.
وبعد وفاة عبد الناصر عام 1970، تغيرت التحالفات الأيديولوجية. فقد اقتربت مصر من الغرب في عهد أنور السادات، لا سيما بعد طرد المستشارين السوفيت عام 1972، بينما تحالفت إثيوبيا في عهد منجستو مع الاتحاد السوفيتي عام 1977. وجاء ذلك بالتزامن مع حرب أوغادين بين إثيوبيا والصومال، الذي كان يحكمه سياد بري ويتبنى الاشتراكية قبل أن ينتقل بدوره من التحالف مع موسكو إلى واشنطن.
وازداد الخلاف بعدما اتهمت إثيوبيا القاهرة بدعم حركات استقلال إريتريا سرًا، بالتزامن مع استمرار النزاع حول مياه النيل. وفي عام 1980، قدمت أديس أبابا شكوى ضد مصر إلى منظمة الوحدة الإفريقية، بعدما اقترح السادات تحويل مياه النيل إلى شبه جزيرة سيناء. وسخر السادات من منغستو، واصفًا إياه بأنه «المجنون الذي يلقي زجاجات الدم»، في إشارة إلى خطاب مناهض للإمبريالية ألقاه الزعيم الإثيوبي مستخدمًا زجاجات تحتوي على سائل أحمر.
سد النهضة واتفاقيات النيل.. خلاف تاريخي بلا تسوية نهائية
ظل النزاع على مياه النيل جوهر الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا. فقد وقعت بريطانيا الاتفاقية الأنجلو-مصرية عام 1929 نيابة عن مستعمراتها، بهدف توسيع الأراضي المزروعة بالقطن لتلبية احتياجات صناعة المنسوجات البريطانية. ثم عزز اتفاق مصر والسودان عام 1959 توزيع معظم مياه النهر لصالح البلدين، متجاهلًا دول المنبع، وعلى رأسها إثيوبيا التي تسهم بأكثر من 80% من تدفق مياه النيل.
وتعتبر مصر هذه الاتفاقيات ملزمة، ولوحت باستخدام القوة العسكرية لحماية حقوقها المائية. وفي المقابل، تتمسك إثيوبيا بحقها السيادي في استغلال موارد النهر لتوليد الكهرباء من سد النهضة الإثيوبي الكبير.
وفي مارس 2015، وقعت مصر وإثيوبيا والسودان إعلان مبادئ لمعالجة الخلافات المتعلقة بالسد، لكنه لم يتضمن آليات تنفيذ واضحة أو ضمانات كافية لحسم النزاعات الأساسية. وبدأت إثيوبيا ملء خزان السد في يوليو 2020، ما زاد التوتر، إذ اعتبرت مصر والسودان الخطوة مخالفة لروح الاتفاق، بينما دافعت أديس أبابا عن حقها في المضي بالمشروع.
ويشير المقال إلى أن دول إفريقيا جنوب الصحراء تميل عمومًا إلى دعم الموقف الإثيوبي، في حين تساند جامعة الدول العربية، التي تتمتع مصر بنفوذ كبير داخلها، الموقف المصري، وهو ما يفاقم التباينات بين الدول الإفريقية والعربية. كما يستعرض المقال اتهامات إثيوبية لمصر بعرقلة تمويل السد، واستخدام أطراف إقليمية، من بينها إريتريا، للضغط على أديس أبابا، إلى جانب دعم جماعات معارضة بهدف إرباك الحكومة الإثيوبية.
وفي خطاب برلماني، قال رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي إن احتمال شن مصر هجومًا عسكريًا مباشرًا على إثيوبيا لا يتجاوز، في تقديره، 5%، لكنه شدد على ضرورة الاستعداد لمختلف السيناريوهات. وأشار إلى أن القاهرة تمتلك أدوات ضغط داخل إثيوبيا وخارجها. ويضيف المقال أن آبي أحمد أقر، بعد توليه رئاسة الوزراء، بأنه شارك سابقًا معلومات أمنية حساسة مع جماعات معارضة خلال عمله في جهاز الاستخبارات والأمن القومي الإثيوبي، كما وصف مشروع سد النهضة في بداية عهده بأنه ذو دوافع سياسية، قبل أن يغير موقفه بعدما أدرك حجم التأييد الشعبي له.
ورغم اكتمال ملء خزان سد النهضة، لا تزال مصر والسودان تخشيان نقص المياه، خصوصًا خلال فترات الجفاف التي قد ينخفض فيها تدفق النيل. وفي الوقت نفسه، يعيد الانتشار العسكري المصري في الصومال والتنافس على النفوذ الإقليمي إحياء مخاوف قديمة بشأن تطويق إثيوبيا والضغط عليها.
ويخلص المقال إلى أن اندلاع حرب مباشرة بين مصر وإثيوبيا يظل أقل ترجيحًا من استمرار المواجهة السياسية والدبلوماسية، نظرًا لما تتمتع به القاهرة من تفوق عسكري وعلاقات إقليمية تتيح لها الاستعانة بأطراف حليفة داخل إثيوبيا وخارجها. لكن أديس أبابا تمتلك بدورها علاقات مع أطراف داخل النظام الفيدرالي الصومالي. ولا تقتصر تداعيات هذا التنافس على البلدين، بل تمتد إلى شعوب المنطقة بأسرها التي تعتمد على مياه النيل. لذلك، يظل الحوار والتوصل إلى تسوية متوازنة السبيل الأهم لتجنب التصعيد وضمان الاستقرار الإقليمي.
https://martinplaut.com/2026/10/24/ethiopia-eritrea-and-egypt-the-key-issues-behind-the-current-alliances/

